فصل: مسألة إجلاء عمر رضي الله عنه يهود نجران وفدك:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا:

في أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات شهيدا من الأكلة التي أكل بخيبر قال: وقال مالك، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما زلت ضمنا من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري». قال مالك: كانت يهودية سمته فيها.
قال محمد بن رشد: اليهودية التي سمته بخيبر زينب بنت سلام بن مشكم أهدت له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة مصلية وسمت له منها الذراع، وكان أحب اللحم إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها وقال هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ودعا اليهودية فقال: ما حملك على هذا؟ فقالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا وعلمت أن الله إن أراد بقاءك أعلمك فلم يقتلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأكل من الشاة معه بشر بن البراء بن معرور، فمات من أكلته تلك، وبالله التوفيق.

.مسألة اكتحال الرجل بالإثمد:

في اكتحال الرجل بالإثمد وسئل عن اكتحال الرجل بالإثمد فقال: ما يعجبني وما كان من عمل الناس وما سمعت فيه بنهي.
قال محمد بن رشد: إنما كرهه وإن كان لم يسمع فيه بنهي لأن الإثمد مما تكتحل به المرأة للزينة، فيكره للرجل أن يتشبه في ذلك بالمرأة، كما يكره للمرأة أن تتشبه بالرجل، فقد قيل من شر النساء المتشبهة بالرجال، وبالله التوفيق.

.مسألة السلام على اللعاب بالكعاب والشطرنج:

في السلام على اللعاب بالكعاب والشطرنج قال: وسئل عن التسليم على اللعاب بالكعاب والشطرنج والنرد، فقال: أما هم من أهل الإسلام؟ إذا بولغ في ذلك ذهب كل مذهب وإني لأكره أن أقول أن لا أسلم على أهل الإسلام، وليأتين عليهم يوم يستخفون به يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] ويقول الله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] فإنما أمر بشهادة من يرضى، فقيل له أفترى شهادتهم جائزة؟ فقال أما من أدمنها فلا أرى شهادتهم عاملة، لقول الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ} [يونس: 32] فهذا كله من الضلال.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك رَحِمَهُ اللَّهُ أن يترك السلام على اللعاب بالكعاب والنرد والشطرنج وأشباههم من أهل المجون والبطالات والاشتغال بالسخافات، إذ لا يخرجهم ذلك عن الإسلام، وإن كانوا يعودون بذلك غير مرضيي الأحوال، فلا تجوز شهادتهم؛ لأن الله عز وجل يقول: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]. ومعنى ذلك في السلام عليهم إذا مر بهم في غير حال لعبهم، وأما إذا مر بهم وهم يلعبون فلا ينبغي أن يسلم عليهم، بل يجب أن يعرض عنهم، فإن في ذلك أدبا لهم، ومتى سلم عليهم وهم يلعبون استخفوا بالمسلم عليهم وارتفعت بذلك الريبة عنهم، وبالله التوفيق.

.مسألة أكل الرجل مما تصدق به على ابنه:

في أكل الرجل مما تصدق به على ابنه قال وسألته عن الرجل يتصدق على ولده بالغنم وبالضأن، أيلبس من صوفها ويشرب من لبنها؟ فقال لا، فقلت له: إنه يبيع ذلك، أفترى أن أشتري ذلك بما يبيعه له من غيره، فقال: ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: لم يجز في هذه الرواية أن يكتسي من صوف الغنم التي تصدق بها على ابنه ولا أن يشرب من لبنها، معناه وإن كان كبيرا برضاه. وأجاز ذلك في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، معناه في الكبير إذا رضي بذلك. وأما الصغير فلا. قاله محمد بن المواز، ورواه عن مالك. وأما شراء غلة ما تصدق به على ابنه فهو خفيف على ما قاله في الرواية من أن ترك ذلك أحب إليه. وأما شراؤه ما تصدق به عليه فقيل ذلك جائز في العبد وشبهه، قال ذلك في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وقيل إن ذلك لا يجوز لا في مثل الجارية تتبعها نفسه، وهو الذي في المدونة، وقد مضى تحصيل القول فيما يجوز من ذلك للأب وللأجنبي في الأصل والغلة في رسم الشجرة من الكتاب المذكور، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.

.مسألة تحلية المصاحف:

في تحلية المصاحف قال: وسئل عن الحلية للمصحف، فقال لا بأس به وإنه لحسن، إن عندي مصحفا لجدي كتبه إذ كتب عثمان المصاحف، عليه حلية كبيرة من فضة، كذلك كان ما زدت فيها شيئا.
قال محمد بن رشد: ظاهر الرواية إجازة تحلية المصحف بالذهب والفضة؛ لأنه سأله عن تحلية المصحف عموما فقال لا بأس به، وهو دليل ما في الموطأ. وذكر ابن المواز عن مالك مثله، وذكر ابن عبد الحكم في المختصر الكبير من قول مالك أنه قال لا يعجبني، وبالله التوفيق.

.مسألة قراءة القرآن في الطريق:

في قراءة القرآن في الطريق قال: وسئل مالك عن قراءة القرآن في الطريق، قال الشيء اليسير، قال فأما الذي يديم ذلك فلا، وإن ذلك ليختلف، يكون الغلام يتعلم القرآن، فأما الرجل يطوف بالكعبة يقرأ القرآن وفي الطريق فليس هذا من الشأن الذي مضى عليه أمر الناس.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في قراءة القرآن في الطريق قبل هذا في هذا الرسم وفي رسم المحرم من سماع ابن القاسم وفي غير ما موضع. وإنما كره قراءة القرآن في حال الطواف بالكعبة إذ لم يكن ذلك من فعل الناس، والرشد في الاقتداء بأفعال السلف، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة البلاء موكل بالقول:

في أن البلاء موكل بالقول قال مالك: كان ابن مسعود يقول إن البلاء موكل بالقول.
قال محمد بن رشد: يريد أن الرجل إذا قال لا أفعل كذا وكذا معتقدا أنه لا يفعله لقدرته على الامتناع منه قد يعاقبه الله عز وجل بأن يوقعه في فعل ذلك. وبيان هذا التفسير قوله في غير هذا الحديث: «إني لا أقول لا أعبد هذا الحجر، إن البلاء موكل بالقول» وبالله التوفيق.

.مسألة كشف الفخذ:

في كشف الفخذ وسئل مالك عما جاء من النهي عن كشف الفخذ، أترى بذلك بأسا إذا كان الرجل عند أهله؟ قال لا والله.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أن الفخذ عورة» من رواية جماعة، منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومحمد بن جحش، وابن جوهر، وابنه جرير. وجاء عنه ما دل على أنه ليس بعورة، من ذلك حديث عائشة «أنه كان مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه» ومن رواية أنس بن مالك «أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض فخذه مكشوف، فدخل عليه أبو بكر وعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وهو على حاله تلك لم ينتقل عنها، حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: إلا أستحيي ممن استحيت منه ملائكة السماء.» وذكر البخاري في حديث أنس بن مالك «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما دخل القرية قال الله أكبر» الحديث. ثم قال وحديث أنس أشد، وحديث جوهر أحوط حتى يخرج من اختلافهم. والذي أقول به أن ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة ليس باختلاف من القول، ومعناه أنه ليس بعورة يجب سترها فرضا كالقبل والدبر، وأنه عورة يجب سترها في مكارم الأخلاق ومحاسنها، فلا ينبغي التهاون بذلك في المحافل والجماعات ولا عند من يستحي منه من ذوي الأقدار والهيئات، فعلى هذا تستعمل الآثار كلها، واستعمالها أولى من اطراح بعضها، وبالله التوفيق لا شريك له.

.مسألة سبل شيئا في السبيل فأراد أن يخرج قيمته:

فيمن سبل شيئا في السبيل فأراد أن يخرج قيمته وسئل مالك عن امرأة خلعت خلخالها في سبيل الله فأرادت أن تخرج قيمته في سبيل الله وتحبسه، فقال: لا، بل تمضي ما جعلت لله عليها وتعمل بقيمته خلخالين جديدين، ثم احتج بحديث عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أمر الفرس الذي قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تشتره ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه».
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، وزاد فيه قال سحنون: إنما يكره هذا من أجل الرجوع في الصدقة. ولمالك في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب النذور فيمن قال لشيء من ماله دابة أو عبد أهديك إنه مخير في قيمته أو ثمنه، فذهب بعض أهل النظر إلى أن ذلك مخالف لهذه الرواية في الخلخال ولما ما في المدونة من أنه من أهدى عبده يخرج بثمنه هدايا؛ لأن الظاهر منه أنه لا يجوز له أن يمسكه ويخرج قيمته من أجل الرجوع في الصدقة كما قال في هذه الرواية. والذي أقول به أنه لا اختلاف في شيء من ذلك، وإنما اختلف الجواب في ذلك لافتراق المعاني، فإذا أهدى ما يهدى بعينه أو جعل في سبيل ما ينتفع به فيه بعينه لم يجز أن يمسكه ويخرج قيمته؟ وإذا أهدى ما لا يهدى بعينه وإنما سبيله أن يباع ويشترى بثمنه هدي جاز أن يمسكه ويخرج قيمته؛ وإذا جعل في السبيل ما لا ينتفع به فيه بعينه وهو مما يمكن أن يدفعه كما هو لمن يبيعه وينفقه في السبيل كره له أن يمسكه ويخرج قيمته من ناحية الرجوع في الصدقة، ولم ير ذلك حراما إذ لا ينتفع به الذي أعطيه في السبيل بعينه ولابد له من بيعه، وبالله التوفيق.

.مسألة خلق النبي صلى الله عليه وسلم:

في خلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال مالك: «وسئلت عائشة عن خلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمره، فقالت: كان خلقه وأمره القرآن واتباعه».
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه كان يعفو ويصفح ويحسن ويعرض عن الجاهلين ولا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] ولقوله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ولقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] ولقوله في الزناة: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2] الآية، وقوله في المحاربين:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة: 33] الآية إلى قوله: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] الآية، وبالله التوفيق.

.مسألة ترك الرجل ما لا يعنيه:

في ترك الرجل ما لا يعنيه قال: دخل رجل على ابن عمر فوجده يخصف نعله، فسأله فأخبره، ثم قال: مالك تخصف نعلك اشتر غيرها، فقال له ابن عمر: ألهذا جئت؟ قال إنما أنا رسول.
قال محمد بن رشد: إنما وبخه عبد الله بن عمر على قوله بقوله ألهذا جئت؟ لأن ما قاله له مما لا يعنيه، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وبالله التوفيق.

.مسألة في تفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الضيافة:

قال: وسئل مالك عن تفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في «الضيف جائزته يوم وليلة، قال يكرمه ويتحفه ويخصه يوما وليلة، وثلاثة أيام ضيافة، وما بعد ذلك صدقة».
قال محمد بن رشد: الضيافة مرغب فيها ومندوب إليها وليست بواجبة في قول عامة العلماء، إلا أنها من أخلاق المؤمنين وسجاياهم وسنن المسلمين. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا خير فيمن لا يضيف وأول من ضيف الضيف إبراهيم خليل الرحمن عَلَيْهِ السَّلَامُ»- قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة.» ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه، معناه أن المؤمن ينبغي له في مكارم الأخلاق ومحاسنها أن يكرم جاره وأن يكرم ضيفه فيتحفه ويخصه يوما وليلة ويطعمه ما يأكل ثلاثة أيام وما زاد على ذلك فهو صدقة، أي غير واجبة عليه في مكارم الأخلاق. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إكرام الضيف يوم وليلة، وضيافته ثلاثة أيام، فإن أضافه بعد ذلك فرضي فهو دين عليه. وسئل الأوزاعي عمن أكرم ضيفه خبز الشعير وعنده خبز البر أو أطعمه الخبز والزيت وعنده اللحم، فقال هذا ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الأخر. وقد روي عن الليث بن سعد أنه كان يقول: الضيافة حق واجب، فكان يحتمل أنه يكون أراد أنها حق واجب في مكارم الأخلاق ومحاسنها، إلا أنه قد روي عنه إيجابها ليلة واحدة، وأجاز للعبد المأذون له أن يضيف مما بيده، وذهب إلى ذلك قوم واحتجوا بما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «ليلة الضيافة حق على كل مسلم فإن أصبح بفنائه فإنه دين له إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه.» «وروي عن عقبة بن عامر الجهني قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فنمر بقوم لا يقرون فماذا ترى؟ فقال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا حق الضيف الذي ينبغي». وروي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيما ضيف نزل بقوم فأصبح محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه.» فقيل معنى هذه الآثار في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة، ثم أتى الله عز وجل بالخير والسعة فصارت الضيافة جائزة مندوبا إليها محمودا فاعلها عليها. وقيل معناها في المارين بقوم في بادية لا يجدون من ضيافتهم بدلا ولا يجدون ما يبتاعونه مما يغنيهم عن ذلك.
ومعنى ما دل من الأحاديث على أنها غير واجبة في الذي يستغني عن الضيافة ويقدر على أن يتعوض منها بابتياع ما يغنيه عنها. فقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» وقال: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته» الحديث، فلا يكون بين الأحاديث على هذا تعارض. وإلى نحو هذا ذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وروي عنه أنه قال: ليس على أهل الحضر ضيافة، يريد لأن المسافر يجد في الحضر مندوحة عن الضيافة لوجوده حيث ينزل ما يبتاع، وكذلك قال سحنون إنما الضيافة على أهل القرى، وأما أهل الحضر فالفندق ينزل فيه المسافر. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر» إلا أنه حديث غير صحيح، رواه ابن أخي عبد الرزاق عن عمه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وهو متروك الحديث فقيل إنه من وضعه والله أعلم. وقيل إن حق الضيف على من منعه قراه عتب ولوم، وقال ذلك مجاهد في معنى قول الله عز وجل: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]. وبالله التوفيق.

.مسألة إجلاء عمر رضي الله عنه يهود نجران وفدك:

في إجلاء عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يهود نجران وفدك:
قال: وقال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يهود نجران وفدك. فأما يهود نجران فخرجوا منها ليس لهم من التمر ولا من الأرض شيء، وأما يهود فدك فكان لهم نصف الأرض ونصف النخل؛ لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان صالحهم على نصف الأرض ونصف النخل، فأقام لهم عمر بن الخطاب نصف النخل ونصف الأرض قيمة من ذهب وورق وإبل وحبال وأقتاب ثم أعطاهم القيمة وأجلاهم منها.
قال محمد بن رشد: وكذلك أجلى يهود خيبر، ذكر ذلك مالك في موطئه عن ابن شهاب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب،» فأجلى يهود خيبر. قال مالك: وقد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك، فذكر نص قوله هنا إلى آخره. وقد مضى في رسم نذر من سماع ابن القاسم بقية القول في ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة سبب تسمية أبي بكر الصديق بالصديق:

في سبب تسمية أبي بكر الصديق بالصديق قال مالك: قال المشركون لأبي بكر: إن صاحبك- يعنون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزعم أنه أسري به في ليلة من مكة إلى بيت المقدس ورجع من ليلته وأنه رأى عيرا على بعير منها غرارتان إحداهما سوداء والأخرى بيضاء، فقال أبو بكر: إن كان قاله فصدق، فبذلك سمي الصديق.
قال محمد بن رشد: الأحاديث التي تخرج على التفسير لقول الله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1]، أي إلى بيت المقدس، وإنما سماه الأقصى لأنه الأبعد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأدنى منه مسجد الكعبة، {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] أي بما أجرينا حوله من الأنهار، وأنبتنا فيه من الثمار، {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1] كثيرة، منها حديث أم هاني بنت أبي طالب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها تلك الليلة العشاء الآخرة قالت فصليت معه ثم نمت فتركته في مصلاه فلم أنتبه حتى أنبهني لصلاة الصبح قال قومي يا أم هاني أحدثك العجب فقلت كل حديثك عجب بأبي أنت وأمي فقام فصلى الغداة وصليت معه فلما انصرف قال أتاني جبريل وأنا في مصلاي هذا فقال اخرج يا محمد فخرجت إلى الباب فإذا ملك واقف على دابة فقال اركب فركبت دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل خطوها مد البصر ثم سار بي نحو بيت المقدس وهو المسجد الأقصى من مكة فإذا أتيت على واد طالت يداها وقصرت رجلاها وإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتى انتهيت إلى بيت المقدس فبشرني فيه إبراهيم خليل الرحمن وموسى وعيسى ابن مريم- عَلَيْهِمْ السَّلَامُ- في نفر من الأنبياء فأممتهم وصليت بهم في مسجد بيت المقدس العشاء الآخرة. قال ولقد صليت الغداة كما ترين في بيتك وإذا عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ رجل ربعة دون الطويل وفوق القصير عريض الصدر ظاهر الدم جعد الشعر تعلوه صهوبة يشبه عروة بن مسعود الثقفي من أمتي.
وأما موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ فرجل طويل آدم جعد الشعر كأنه من رجال أزد شنوءة، وإذا إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبه خَلْقه خَلْقي وخُلُقه خُلُقي.
قالت: ثم أخذ إزاره فاتزر به فقلت: أين تريد يا رسول الله، فقال: أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بذلك فقالت: إذا يكذبونك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: أمرت بذلك فأخذت بإزاره وإنه لقائم فقال: والله لأحدثنهم إني أمرت بذلك فخرج نحوهم وأمرت جارية لي فقلت: اتبعي ابن عمي فانظري ماذا ترد عليه قريش، فاتبعته ثم رجعت فأخبرتني أنه انطلق حتى وقف على نادي قريش في المسجد وفيهم مطعم بن عدي ونوفل فقال لهم: يا معشر قريش قد صليت العشاء الآخرة بهذا الوادي هذه الليلة ثم صليت ببيت المقدس ولقد رجعت فصليت بالوادي، فقال له مطعم: أتحدثنا أنك ذهبت مسيرة شهر ذاهبا ومسيرة شهر مقبلا مسيرة شهرين في ليلة واحد؟ فقال: أما والله أن لو كنت شابا لأخذتك بيدي ثم قام إلى حوض له على زمزم أعطاه إياه عبد المطلب فهدمه. قالت له قريش: عجلت على ابن أخيك فلعله أن يكون صادقا دعنا حتى نسأله عن آية ما يقول، فإن لنا ركابا بالشام نسأله عنها فإذا أخبرنا بما تعرف ونعرفه كنت لم تعجل عليه وإن لم يفعل عرفنا باطله، ثم قالوا: أخبرنا يا محمد عن عيرنا فهي أهم علينا من قولك هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان. وهي بالروحا وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء وقد عطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا؟ قالوا له: هذه آية. قال: ومررت بعير بني فلان وفيها فلان وفلان وهما راكبان على قعود لهما فنفر مني القعود فرمى بفلان فانكسرت يده، فسلوهما عن ذلك، قالوا: وهذه آية. قالوا: أخبرنا عن عيرنا نحن، قال: مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عددها وأحمالها وهيئتها؟ فقال: كنت في شغل عن ذلك. قال: ثم مثلت له مكانه فقال: نعم هيئتها كذا وعددها كذا وفيها فلان وفلان ويقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم غدا عند طلوع الشمس قالوا: هذه آية. ثم خرجوا نحو وهم يقولون والله لقد فصل بيننا وبين محمد حتى أتوا جبلا بكذا فجلسوا عليه وجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه إذ قال قائل منهم: والله إن الشمس قد طلعت وقال آخر: وهذه الإبل قد طلعت يقدمها جمل أورق فيها فلان وفلان كما قال، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا وقالوا: ما سمعنا بهذا قط إن هذا سحر مبين»
فرموه بالسحر وصدقه أبو بكر فسمي الصديق من أجل ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة الصبغ بالسواد:

في الصبغ بالسواد وسئل عن الصبغ بالسواد فقال: ما علمت أحدا ممن مضى كان يصبغ به، وما بلغني فيه نهي، وغيره من الصبغ أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا متكررا في أول السماع، ومضى الكلام عليه مستوفى في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.

.مسألة تعليم الصبي الصغير:

في تعليم الصبي الصغير قال: وسمعته وسئل عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن، قال: ما أرى هذا ينبغي.
قال محمد بن رشد: إنما قال مالك: إنه لا ينبغي هذا من أجل أن ذلك لا يكون إلا مع الحمل عليه في التأديب والتعليم وهو صغير جدا وترك الرفق به في ذلك، وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» وبالله التوفيق.

.مسألة هيئة دخول النبي عليه السلام مكة عام الفتح:

في هيئة دخول النبي عليه السلام مكة عام الفتح وزعم يحيى بن سعيد «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دخل مكة عام الفتح دخلها في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا، أكب على واسطة رحله حتى كادت تنكسر ثم قال: الملك لله الواحد القهار».
قال محمد بن رشد: إنما أكب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على واسطة رحله تواضعا لله عز وجل وشكرا له على نصره إياه وإظهار دعوة الإسلام. وقد مضى في رسم البز ذكر غزوة فتح مكة والسبب في ذلك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة فيما أشير به على عائشة من أن توصي بأن تدفن مع النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ:

قال مالك: كان في موضع النبي وأبي بكر وعمر فضل من ورائهم، فقيل لعائشة لو أمرت إذا مت أن تدفني فيه، فقالت إني إذا لمبتدية به.
قال محمد بن رشد: خشيت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إن أوصت بذلك أن ينفس عليها ذلك فيذهب إلى المنع من ذلك ويأبى من عهدت إليه بذلك إلا إنفاذ عهدها فيقع في ذلك حرب وقتال، ولذلك قالت عائشة إني مبتدية إذا بعمل، والله أعلم.

.مسألة الدخول في الحروب الواقعة بين الصحابة رضي الله عنهم:

في الدخول في الحروب الواقعة بين الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قال مالك: سأل رجل أبا موسى الأشعري: أرأيت إن خرجت بسيفي أضرب به ابتغاء وجه الله حتى ألقاه؟ فقال له ذلك لك، فقال له ابن مسعود: انظر ما تفتي به ليخرجن من هذه الأمة كذا وكذا كلهم يريد وجه الله لا يدرك رضوانه.
قال محمد بن رشد: إنما تقاتلت الطائفتان من الصحابة على ما تقاتلت عليه من الخلافة؛ لأن كل واحدة منهما اعتقدت الحق إنما كان معها، وأن الواجب عليها هو الذي فعلت، فلمن كان على الحق منهما والصواب أجران أجر لاجتهاده وأجر لموافقة الحق، ولمن لم يكن على الحق منهما أجر واحد على اجتهاده، فهذا وجه ما أفتى به أبو موسى الأشعري الرجل الذي سأله عما سأله عنه؛ لأنه لا يخلو في قتاله مع إحدى الطائفتين أن يوافق التي هي على الحق أو الأخرى، فإن وافق التي هي على الحق كان له أجران، وإن وافق الأخرى كان له أجر واحد. ورأى عبد الله بن مسعود وجه الخلاص له التورع عن القتال مع واحدة من الطائفتين مخافة الوقوع في الإثم بالتقصير في الاجتهاد والخطأ من أجل ذلك. والذي عليه أهل السنة والحق أن عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو كان على الحق لما كان عنده في ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما لو علمه غيره لسلم له الأمر، والله أعلم وبه التوفيق.